محمد الغزالي
44
فقه السيرة ( الغزالي )
أم مكتوم ، فلما احتججن بأنه أعمى لا يراهما ! قال لهما : « أفعمياوان أنتما ؟ ! » « 1 » . وقد استنكرت على الخطيب إيراده لهذا الحديث ، فإن علماء السنّة تكلّموا في معناه ، ومن الجهل بالسنّة تقريره عند بيان وظيفة المرأة ، وأسلوب حياتها ، وقواعد اتصالها بالمجتمع العام ، ولم لا نذكر السنن التي رواها البخاري في ذلك ، وهي أدق وأصح ؟ ! . أثبت البخاري تحت عنوان ( باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال ) ، عن أنس رضي اللّه عنه ، قال : « لما كان يوم ( أحد ) انهزم الناس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم ، وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما ، تنقلان القرب على متونهما - ظهورهما - ، ثم تفرغانه - الماء - في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملأانها ، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم » . وذكر تحت ( باب غزوة المرأة في البحر ) . . . سمعت أنسا رضي اللّه عنه ، يقول : دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ( ابنة ملحان ) ، فاتكأ عندها ، ثم ضحك . فقالت : لم تضحك يا رسول اللّه ؟ فقال : « ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل اللّه ، مثلهم مثل الملوك على الأسرّة » . فقالت : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يجعلني منهم . قال : « اللهم اجعلها منهم » ، ثم عاد فضحك ، فقالت له : ممّ ذلك ؟ فقال لها مثل ذلك . فقالت : ادع اللّه أن يجعلني منهم ! قال : « أنت من الأولين ، ولست من الآخرين » . قال أنس : فتزوجت عبادة بن الصامت ، فركبت البحر مع بنت قرظة ، فلما قفلت ركبت دابتها ، فوقعت بها فسقطت عنها فماتت .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود : 2 / 183 ؛ والترمذي : 4 - 15 ؛ وابن سعد في الطبقات الكبرى : 8 / 126 ، 128 ؛ والبيهقي : 7 - 91 ، من طريق الزهري ، قال : حدثني نبهان مولى أم سلمة ، عن أم سلمة ، قالت : كنت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم ، وذلك بعد أن أمر بالحجاب ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « احتجبا منه » فقلنا : يا رسول اللّه ! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ ! فقال : « أفعمياوان أنتما ؟ ! ألستما تبصرانه ؟ ! » . وقال الترمذي : « هذا حديث حسن صحيح » . وقوى الحافظ إسناده في ( الفتح ) ، وفيه نظر ؛ فإن نبهان هذا لم يوثقه غير ابن حبان ، وهو معروف بتساهله في التوثيق كما بيّنه الحافظ نفسه في مقدمة ( لسان الميزان ) ، ولهذا نراه في ( التقريب ) لم يوثق نبهان هذا ، بل قال فيه : « مقبول » ؛ أي : عند المتابعة « وليس له متابع على هذا الحديث » ، فكلامه يقتضي أن هذا الحديث غير مقبول . وقد قال ابن عبد البر : إنه ليس ممن يحتج بحديثه ، وإن حديثه هذا منكر ، كما نقله ابن التركماني في ( الجوهر النقي ) .